
ترتبط المشاعر الإنسانية بأنماط معقدة من النشاط العصبي داخل الدماغ، إذ تشارك مناطق وشبكات دماغية متعددة في معالجة العواطف وتنظيم الاستجابات المرتبطة بها. وتشير أبحاث في علم الأعصاب إلى أن المشاعر المختلفة ترتبط بأنماط مميزة من النشاط العصبي تمتد عبر مناطق متعددة من الدماغ، بدلاً من أن تكون محصورة في منطقة واحدة بعينها.
كيف رصد العلماء الأنماط العصبية المرتبطة بالعواطف؟
اعتمد باحثون من جامعة كارنيغي ميلون على التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) وتقنيات التعلم الآلي لتحليل نشاط الدماغ أثناء تجربة حالات عاطفية مختلفة. وشارك في الدراسة عشرة ممثلين، طُلب منهم استحضار تسع حالات عاطفية محددة أثناء وجودهم داخل جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي، ما أتاح للباحثين مقارنة أنماط النشاط العصبي المرتبطة بكل حالة.
شملت الحالات العاطفية التي درستها التجربة الغضب، والاشمئزاز، والحسد، والخوف، والسعادة، والشهوة، والفخر، والحزن، والعار. وتمكن نموذج التحليل المستخدم في الدراسة من التمييز بين هذه الحالات العاطفية اعتماداً على أنماط النشاط العصبي بدرجة تجاوزت ما يمكن توقعه بالصدفة.
وأشارت النتائج إلى أن البصمات العصبية المرتبطة بالعواطف لا تقتصر على مناطق دماغية منفردة، بل تظهر عبر أنماط من النشاط تشمل مناطق متعددة. كما وجد الباحثون أن النموذج كان أكثر دقة في التعرف على بعض المشاعر، مثل السعادة، بينما كان التعرف على مشاعر أخرى، مثل الحسد، أكثر صعوبة.
لماذا لا ترتبط العواطف بمنطقة واحدة في الدماغ؟
توضح نتائج الدراسة أن معالجة المشاعر أكثر تعقيداً من ارتباط كل عاطفة بمنطقة دماغية واحدة. فقد أظهرت أنماط النشاط العصبي تداخلاً بين مناطق متعددة، مع وجود اختلافات في طريقة تنظيم المشاعر وفقاً لعوامل مثل طبيعتها الإيجابية أو السلبية، وشدتها، ومدى ارتباطها بالتفاعل الاجتماعي.
وقال فلاديمير تشيركاسكي، الباحث العلمي في مركز تصوير الدماغ المعرفي بجامعة كارنيغي ميلون وأحد مؤلفي الدراسة، إن البصمات العصبية للعواطف لا تقتصر على مناطق محددة مثل اللوزة الدماغية، وإنما تظهر في أنماط مميزة تمتد عبر عدد من مناطق الدماغ. وتساعد هذه النتائج في تطوير طرق أكثر دقة لدراسة كيفية تنظيم الدماغ للمشاعر المختلفة.
أي المشاعر أظهرت نمطاً عصبياً أكثر تميزاً؟
أظهرت الدراسة أن الشهوة كانت من أكثر الحالات العاطفية تميزاً في نشاطها العصبي؛ إذ كان النموذج أقل ميلاً إلى الخلط بينها وبين المشاعر الأخرى مقارنة ببعض الحالات المدروسة. ويشير ذلك إلى وجود نمط من النشاط العصبي يمكن تمييزه بدرجة أكبر في هذه الحالة العاطفية.
كما أظهرت النتائج أن المشاعر الإيجابية والسلبية نادراً ما جرى الخلط بينها بواسطة النموذج، وهو ما يشير إلى وجود اختلافات واضحة في الأنماط العصبية المرتبطة بها. ومع ذلك، لا تعني هذه النتائج أن كل شعور ينشأ من منطقة منفصلة في الدماغ، بل تدعم فكرة أن العواطف ترتبط بتفاعل شبكات ومناطق دماغية متعددة.
كيف يمكن الاستفادة من هذه الخرائط العصبية مستقبلاً؟
يرى الباحثون أن القدرة على التعرف إلى الحالات العاطفية من خلال النشاط العصبي قد تساعد مستقبلاً في دراسة ظواهر أكثر تعقيداً، مثل المشاعر التي يحاول الأشخاص كبتها أو الحالات التي يختبر فيها الإنسان أكثر من شعور في الوقت نفسه. ومن الأمثلة التي اقترحها الباحثون اجتماع الفرح والحسد عند سماع شخص خبراً ساراً عن نجاح أحد أصدقائه.
أمثلة على كيفية دراسة العواطف في الدماغ
- دراسة الأنماط العصبية المرتبطة بمشاعر مثل السعادة والخوف والحزن والغضب باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي.
- مقارنة الأنماط العصبية المختلفة لمعرفة مدى قدرة نماذج التعلم الآلي على التمييز بين الحالات العاطفية.
- دراسة الحالات التي تجمع أكثر من شعور في الوقت نفسه، مثل الفرح والحسد، لفهم كيفية تداخل الأنماط العاطفية في الدماغ.
معلومات ذات صلة
تقدم دراسات تصوير الدماغ والتعلم الآلي أدوات جديدة لفهم الطريقة التي ينظم بها الدماغ المشاعر ويعالج التجارب العاطفية. ولا تعني هذه النتائج أن العواطف يمكن اختزالها في مناطق منفردة أو أن نشاط الدماغ يفسر وحده جميع جوانب التجربة الشعورية، لكنها توفر وسيلة لدراسة الأنماط العصبية المرتبطة بالحالات العاطفية بصورة أكثر دقة.