
رصد علماء الفلك كوكباً خارجياً نادراً ينتمي إلى الجيل الثاني، يدور بالقرب من القزم الأبيض إتش إس 0209+0832 على بعد 270 سنة ضوئية من الأرض. ويُمثّل هذا الاكتشاف حلقة مفصلية في فهم كيفية نشأة العوالم الجديدة من بقايا النجوم الميتة، بعد تحولها إلى أقزام بيضاء.
كيف ينشأ كوكب عنقاء من الجيل الثاني حول نجم ميت؟
ينشأ كوكب الجيل الثاني مباشرة من المادة الغبارية والغازية التي يلفظها النجم أثناء مرحلة موته وتحوله إلى عملاق أحمر. وتتجمع هذه المكونات المقذوفة في مدار حول بقايا النجم لتشكل عالماً جديداً بُعث من الرماد النجمي.
وأكد الباحث جيمي ويليامز، المرشح للدكتوراه في جامعة وارويك البريطانية والمؤلف الرئيسي للدراسة، أن تشكل هذه العوالم يعد ظاهرة نادرة للغاية في الفلك. وأوضح عالم الفيزياء الفلكية بوريس غانسيكه في جامعة وارويك أن الكوكب لم ينجُ من الماضي ولم يأتِ من خارج النظام، بل أُعيد بناؤه كلياً من أحشاء النجم نفسه.
ويُرجح الباحثون أن هذه العملية تطلبت وجود نجم رفيق ساعد في حجز المادة المقذوفة وإعادتها إلى المدار بدلاً من اندفاعها وتشتتها في الفضاء السحيق.
ما التركيب الكيميائي الفريد للنجم القزم إتش إس 0209+0832؟
يتضمن التركيب الكيميائي للنجم القزم إتش إس 0209+0832 بصمة فريدة تتألف من تركيزات مرتفعة للزنك والنحاس والنيوبيوم، وهو عنصر يُسجل وجوده لأول مرة داخل قزم أبيض. وتدل هذه المكونات على حدوث تفاعلات نووية متقدمة أدت إلى تساقط أجزاء من الغلاف الجوي للكوكب على سطح النجم.
ومع بداية العصر الرصدي الحديث، كشف تلسكوب هابل الفضائي في أواخر تسعينيات القرن الماضي عن وجود عناصر مثل الألمنيوم والتيتانيوم والنيكل. وأكدت البيانات المحدثة المنشورة في مجلة نيتشر أسترونومي بتاريخ 5 أكتوبر غياب عنصرَي السيليكون والحديد الشائعين في كواكب الجيل الأول.
وأشار الباحث نيكولاس ستون في جامعة ويسكونسن-ماديسون إلى أن هذا النمط الكيميائي يعود إلى ما يُعرف بالعملية إس، وهي تفاعل نووي يبني العناصر الثقيلة داخل العملاق الأحمر المحتضر.
كيف كشفت الأرصاد الفلكية عن حجم الكوكب ومداره؟
كشفت الملاحظات الفلكية أن الكوكب يقارب حجم كوكب المشتري ويمتلك مداراً قصيراً للغاية يستغرق نحو 4.4 يوم أرضي فقط حول القزم الأبيض. ويُؤدي هذا القرب الشديد إلى تجريد غلافه الجوي بفعل الرياح النجمية القوية.
وعلى مدى السنين الأخيرة، أظهرت متابعة النجم انخفاضاً دورياً منتظماً في سطوعه نتيجة عبور الكوكب من أمامه بشكل متكرر. وتبلغ درجة حرارة هذا القزم الأبيض ما يقارب 35 ألف درجة مئوية، حيث وصل إلى هذه المرحلة المتأخرة خلال الملايين القليلة الماضية من السنين.
ما الفرق بين كواكب الجيل الأول والجيل الثاني؟
تنشأ كواكب الجيل الأول مع تكون النظام النجمي الأصلي، بينما تتكون كواكب الجيل الثاني لاحقاً من الأنقاض والمواد التي يقذفها النجم عند موته. وقد رُصدت كواكب الجيل الأول الناجية سابقاً حول القزم الأبيض دبليو دي جيه 0914+1914 عام 2019.
وفي ضوء الاكتشافات الأثرية والفلكية للكون، كان هذا النمط من العوالم يُرصد سابقاً حول النجوم النابضة فقط، وهذه المرة الأولى التي يُكتشف فيها حول قزم أبيض. ويرى العلماء أن هذا السيناريو قد يُمثل صورة مستقبلية لما قد يحل بالنظام الشمسي بعد نحو 5 مليارات سنة عندما تتحول الشمس إلى عملاق أحمر ثم إلى قزم أبيض.