سر فوهة دارفازا المشتعلة في تركمانستان وحقيقة انطفائها

فوهة دارفازا المشتعلة
فوهة دارفازا المشتعلة

تقع فوهة دارفازا المشتعلة في قلب صحراء كاراكوم على مسافة 270 كيلومتراً شمال العاصمة التركمانية عشق آباد. وتستمر النيران بالاندلاع من هذا التجويف الصخري الضخم منذ سبعينيات القرن الماضي، ممثلة ظاهرة جيولوجية تجمع بين التدخل البشري والعمليات الطبيعية. وتثير التطورات الأخيرة في معدلات اشتعال الفوهة اهتماماً واسعاً لدى الخبراء والمؤسسات البيئية حول العالم.

كيف تشكلت فوهة دارفازا وما سر تسميتها؟

تعود البداية الموثقة للفوهة إلى عام 1971 خلال عمليات تنقيب نفطي نفذها مهندسون سوفييت قرب مستوطنة دارفازا. أدى الحفر إلى انهيار التربة العلوي فوق تجويف غازي ضخم، مما خلق حفرة يبلغ قطرها 70 متراً وعمقها 20 متراً ومساحتها تتجاوز 2800 متر مربع. وتفادياً لتسمم السكان بغاز الميثان، تقرر إشعال النيران في الموقع لتصريف الغاز خلال أيام قليلة، لكن الاشتعال استمر لعقود طويلة.

توجد روايات جيولوجية محددة تشير إلى احتمال تشكل الحفرة طبيعياً في أواخر الستينيات واشتعالها لاحقاً بفعل صاعقة. وتفتقر الأحداث التاريخية للسجلات الرسمية بسبب السرية التي فرضها الاتحاد السوفيتي على مشاريع الطاقة آنذاك. ويطلق السكان المحليون في تركمانستان على الموقع اسم «شعلة الصحراء» (Garagum Yalkymy)، بينما شاعت تسمية «بوابة الجحيم» بين الزوار الدوليين.

ما الذي يحافظ على اشتعال الفوهة وارتفاع حرارتها؟

تستمد الفوهة اشتعالها المستمر من تدفق مكثف لغاز الميثان من مكامن ضخمة قابعة تحت الأرض. وتصل درجات الحرارة في محيط الفوهة إلى ألف درجة مئوية، وهو مستوًى يماثل حرارة أفران صهر المعادن الصناعية. كما ترتفع ألسنة اللهب في بعض أجزائها لتصل إلى 15 متراً فوق السطح.

أصبحت الفوهة معلماً سياحياً بارزاً يستقبل نحو 10 آلاف زائر سنوياً، مع إحاطتها بسياج أمني لمنع الحوادث. وسجل التاريخ هبوطاً فريداً للمستكشف الكندي جورج كورونيس عام 2013 داخل الحفرة المشتعلة مرتداءً بدلة واقية. وأمضى كورونيس 17 دقيقة في القاع لجمع عينات تربة أثبتت وجود كائنات دقيقة تتعايش مع هذه البيئة القاسية.

لماذا يخشى الباحثون البيئيون من انطفاء النيران؟

تحول عملية الاحتراق المباشر غاز الميثان المتسرب إلى ثاني أكسيد الكربون، وهو إجراء يقلل الأثر البيئي الفوري. ويُعد الميثان غازاً حباساً للحرارة بفاعلية تفوق ثاني أكسيد الكربون بنحو 25 إلى 84 مرة حسب المدى الزمني المحسوب. وفي حال انطفاء ألسنة اللهب مع استمرار التدفق، سيتسرب الميثان مباشرة إلى الغلاف الجوي دون أكسدة.

يحتوي الهواء المحيط بالحفرة على جسيمات دقيقة وسخام ومعادن ثقيلة كالزئبق والرصاص والرماد. وتُظهر البيانات العلمية أن الحفرة تطلق كميات سنوية كبيرة من الغازات الدفيئة، مما يجعل خفوت نيرانها تحذيراً بيئياً ينطوي على مخاطر تسرب غير معالج.

ما حقيقة تراجع النيران ومحاولات إغلاق الموقع؟

أظهرت تقارير شركة «تركمن غاز» وبيانات الأقمار الصناعية انخفاض شدة حريق الفوهة إلى نحو الثلث. وربطت الجهات الرسمية هذا التراجع بحفر آبار استخراج جديدة لسحب الغاز من المكمن الممتد. وتؤكد الدراسات أن المخزون الجوفي يكفي للاشتعال لفترات طويلة جداً ما لم تتغير القنوات الجيولوجية للتسرب.

طرح الرئيس التركماني السابق قربان قولي بردي محمدوف في عامي 2010 و2022 مبادرات لإغلاق الفوهة باستخدام الأسمنت السريع الجفاف أو تغطيتها بسدادات عملاقة. وحالت المخاوف الأمنية واحتمالات حدوث انفجارات غازية دون تنفيذ تلك المخططات، لتبقى الفوهة موقعاً مفتوحاً تحت المتابعة البيئية والدولية.

الوسوم