
في قلب القارة القطبية الجنوبية المتجمدة، تقع ظاهرة طبيعية فريدة تُعرف ببحيرة دون خوان، وهي مسطح مائي لا يتجمد أبداً رغم درجات الحرارة القارسة التي تصل إلى 50 درجة مئوية تحت الصفر. تُثير هذه البحيرة المالحة اهتمام العلماء لما تقدمه من رؤى حول الحياة في الظروف القاسية، وحتى إمكانية وجود الماء والحياة على كواكب أخرى كالمريخ.
ما هي بحيرة دون خوان؟
بحيرة دون خوان هي مسطح مائي شديد الملوحة يقع في وديان ماكموردو الجافة بالقارة القطبية الجنوبية، وهي واحدة من أكثر المناطق برودة وجفافاً على الأرض.
يبلغ عمق هذه البركة الفريدة حوالي 10 سنتيمترات، وتغطي مساحة توازي تقريباً ستة ملاعب كرة قدم مجتمعة.
اكتشفها طيارا مروحيات البحرية الأمريكية، دونالد رو وجون هيكي، في عام 1961، وسُميت تخليداً لهما.
تتميز البحيرة بملوحتها التي تتجاوز 40%، مما يجعلها أكثر ملوحة من البحر الميت ومحيطات الأرض بأضعاف كثيرة.
تُحاط البحيرة بسلسلة جبال أسغارد وأوليمبوس في الجزء العلوي من وادي رايت، ضمن منطقة ماكموردو، مما يضفي عليها طابعاً بيئياً فريداً وقاسياً.
سر عدم تجمد بحيرة دون خوان
السبب الرئيسي وراء عدم تجمد بحيرة دون خوان يكمن في تركيبتها الكيميائية الاستثنائية؛ فهي تحتوي على تركيزات مرتفعة جداً من كلوريد الكالسيوم.
يعمل هذا الملح على خفض درجة تجمد الماء بشكل كبير، حيث يمنع جزيئات الماء من التجمع وتكوين بلورات جليدية حتى في أشد الظروف برودة.
بنسبة ملوحة تتجاوز 40%، تفوق البحيرة في ملوحتها البحر الميت الذي تبلغ ملوحته 34%، وتزيد عن ملوحة محيطات الأرض باثني عشر ضعفاً (3.5%).
هذه الملوحة الفائقة تمنح مياهها قواماً لزجاً يحول دون تحولها إلى جليد، حتى عندما تصل الحرارة إلى 50 درجة مئوية تحت الصفر.
لماذا يهمّك أن تعرف؟
فهم كيفية بقاء الماء سائلاً في هذه الظروف القاسية يقدم رؤى قيمة حول حدود الحياة على الأرض، ويساعد العلماء في البحث عن بيئات محتملة لدعم الحياة خارج كوكبنا.
كما يُظهر قدرة الطبيعة على إيجاد حلول كيميائية فريدة للتحديات البيئية المتطرفة.
أهمية بحيرة دون خوان للبحث العلمي
تُعد بحيرة دون خوان مختبراً طبيعياً بالغ الأهمية للعلماء، خاصة في مجال علم الأحياء الفلكي، نظراً لتشابه ظروفها القاسية مع بيئة كوكب المريخ.
يتميز المريخ ببرودته الشديدة وجفافه وثرائه بالعديد من الأملاح، مما يجعله مرشحاً محتملاً لوجود الماء والحياة الميكروبية.
كشفت الأبحاث عن وجود أدلة على حياة ميكروبية تزدهر بالقرب من هذه البحيرة، مما يدل على قدرة الكائنات الحية على التكيف والبقاء في محلول ملحي شديد التركيز.
هذا الاكتشاف يعزز فرضية أن الحياة قد تكون موجودة، أو كانت موجودة في الماضي، في بيئات مماثلة على الكوكب الأحمر.
أوجه الشبه بين بحيرة دون خوان والمريخ
- تتشابه البيئتان في البرودة والجفاف الشديدين، ووجود تركيزات عالية من الأملاح.
- لوحظت خطوط داكنة متكررة على منحدرات حول البحيرة، تشير إلى تدفقات مياه مالحة موسمية، وهي ظاهرة مشابهة لتلك المرصودة على سطح المريخ.
استكشاف مصدر مياه البحيرة الغامض
على الرغم من عقود من الدراسة، لا يزال مصدر مياه بحيرة دون خوان وكلوريد الكالسيوم فيها لغزاً يثير نقاشاً علمياً مستمراً.
الفرضية الأولية كانت تشير إلى تغذية البحيرة من المياه الجوفية المتدفقة إلى السطح.
ومع ذلك، قدمت دراسة من جامعة براون عام 2013 نظرية بديلة، مفادها أن المياه تنشأ من الرطوبة الجوية التي تتكثف وتتفاعل مع الأملاح في التربة.
هذه المياه تتسرب تدريجياً إلى وادي رايت العلوي لتغذي البحيرة، وقد التقط الباحثون صوراً توضح خطوطاً داكنة رطبة تدل على هذا التدفق.
في المقابل، عادت فرضية المياه الجوفية للظهور بقوة عام 2017، بناءً على محاكاة نموذجية.
هذه الدراسة اقترحت أن التكوين الكيميائي الفريد للبحيرة لا يمكن تفسيره إلا بوجود نظام جوفي عميق يمدها بالمياه، مما يعكس تعقيد هذه الظاهرة الطبيعية.