
يحدث تشابه تفكير الأصدقاء المقربين نتيجة لظاهرة علمية تُعرف باسم "تأثير الأصدقاء"، حيث يؤدي التواصل المستمر والاندماج الاجتماعي إلى تطابق استجابات الدماغ العصبية وتماثلها عند استقبال المؤثرات الخارجية. ويتجاوز هذا الترابط مجرد محاكاة السلوكيات البسيطة ليصل إلى مستوى أعمق من التوافق الذهني، مما يفسر قدرة الأصدقاء على فهم بعضهم البعض من إيماءة بسيطة أو الضحك التلقائي على الموقف ذاته دون الحاجة إلى تواصل بصري مباشر.
كيف يثبت العلم تشابه الاستجابة العصبية بين الأصدقاء؟
كشفت دراسة حديثة قادتها الباحثة كارولين باركنسون وفريقها في جامعة دارتموث الأمريكية عن وجود ارتباط وثيق بين قوة الصداقة وتماثل النشاط العصبي في الدماغ. وقام الباحثون برسم خريطة اجتماعية دقيقة شملت مئتين وتسعة وسبعين طالباً في برنامج الدراسات العليا لتحديد شبكات علاقاتهم المتبادلة بدقة.
خضع اثنان وأربعون طالباً من المشاركين لفحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي أثناء مشاهدتهم لمقاطع فيديو متنوعة تشمل موضوعات سياسية وكوميدية ووثائقية. وأظهرت النتائج أن أدمغة الأصدقاء المقربين نشطت في المناطق نفسها وبأنماط متطابقة تقريباً مقارنة بالأشخاص الأبعد في الشبكة الاجتماعية.

ما هو دور الجينات في اختيار شبكتنا الاجتماعية؟
لا يقتصر التوافق بين الأصدقاء على الجوانب السلوكية والبيئية فقط، بل يمتد إلى الجذور البيولوجية والوراثية العميقة. وأثبتت ورقة بحثية نُشرت في عام ألفين وأربعة عشر أن الأصدقاء غير الأقارب يتشاركون في الواقع تشابهاً جينياً ملحوظاً يعادل صلة القرابة بين أبناء العمومة من الدرجة الثالثة أو الرابعة.
يقود هذا التشابه الجيني إلى فرضية أن الانتقاء الطبيعي يوجه البشر نحو بناء تحالفات اجتماعية مع أشخاص يمتلكون صفات وراثية متقاربة. ويساعد هذا التقارب البيولوجي على تسهيل التواصل والتفاهم المشترك، مما يعزز فرص البقاء والتعاون البشري عبر العصور.

هل نصنع أصدقاءنا أم ننجذب لمن يشبهنا منذ البداية؟
تطرح الأبحاث تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كان تشابه تفكير الأصدقاء ناتجاً عن قضاء الوقت معاً وتشارك التجارب، أم أننا ننجذب بطبيعتنا لمن يرى العالم بالطريقة نفسها منذ البداية. وتوضح الباحثة ثاليا ويتلي أن الأصدقاء يستجيبون للمؤثرات بشكل أكثر تشابهاً من أصدقاء الأصدقاء، والذين بدورهم يتشابهون أكثر من الغرباء.
ينطبق هذا المفهوم، المعروف باسم التماثل، على معظم العلاقات الإنسانية مثل الزواج والعمل والصداقة، حيث يميل البشر إلى اختيار شركاء يشبهون بيئتهم أو عائلاتهم. ويسعى الباحثون حالياً لمعرفة ما إذا كان هذا التطابق العصبي موجوداً بالفعل قبل اللقاء الأول أم أنه يتطور تدريجياً بفعل التفاعل المستمر.
