
قد تلاحظ أحياناً أن الانغماس في مقطوعة موسيقية هادئة يمنح ذهنك صفاءً مفاجئاً ويجعلك أكثر قدرة على إنجاز مهامك بسلاسة. يتجاوز هذا الشعور الاستمتاع الفني إلى ظاهرة عصبية ونفسية أثارت فضول العلماء لعقود، وتُعرف باسم تأثير موسيقى موزارت على الدماغ (Mozart Effect). تعود بدايات البحث في هذا المجال إلى محاولات فهم كيف يمكن للأنماط الصوتية المتناغمة أن تحفز الشبكات العصبية وتزيد المرونة العقلية.
نشأة مفهوم تأثير موزارت وقياس الأداء الذهني
بدأ الاهتمام العلمي بهذا التأثير عام 1993 عندما أظهرت دراسة أن الاستماع لإنتاج موزارت يرفع الأداء العقلي مؤقتاً. وتوالت الأبحاث لتؤكد دوره في تحسين التركيز والدقة لدى مختلف الأعمار.
في الدراسة الكلاسيكية الأولى، وجد باحثون أن استماع طلاب الجامعات لسوناتا البيانو الخاصة بالموسيقار النمساوي موزارت لمدة 10 دقائق أدى إلى تحسين مهارات التفكير الفراغي بمقدار 8 إلى 9 نقاط. ولم تقتصر هذه النتائج على الشباب؛ إذ أجرى باحثون من جامعة كيوتو اليابانية وجامعة هارفارد الأمريكية اختبار "ستروب" لقياس المرونة العقلية على 25 طفلاً و25 مسناً.
أظهرت النتائج أن كلا الفئتين حققتا سرعة ودقة أعلى في أداء الاختبار عند الاستماع إلى مقطوعة "المينيويت" الأصلية لموزارت مقارنة بالحالة في السكون التام. وعلى العكس من ذلك، تراجع الأداء وارتفعت نسبة الأخطاء عند الاستماع إلى نسخة معدلة تتخللها فواصل غير متناغمة، مما يبرز أهمية التناسق الصوتي في تحفيز خلايا المخ.
كيف تؤثر النغمات الكلاسيكية على كهرباء الدماغ؟
تساعد بعض مقطوعات موزارت في تقليل النشاط الكهربائي غير المنتظم في الدماغ لدى مرضى الصرع. وتعمل البنية الموسيقية الطويلة على إحداث استجابة عاطفية إيجابية تهدئ الاضطرابات العصبية.
أشارت دراسة نشرت في مجلة Scientific Reports وشملت 16 مريضاً بالصرع المقاوم للأدوية إلى أن الاستماع لمقطوعة سوناتا لبيانوين في مقام ري الكبير (Sonata for Two Pianos in D Major K 448) لمدة 30 ثانية يرتبط بانخفاض نوبات النشاط الكهربائي التشنجي. وانخفضت النتوءات الكهربائية الحادة بمقدار الثلثين عبر أجزاء المخ، مع تسجيل أعلى نسبة انخفاض في القشرة الأمامية المسؤولة عن تنظيم الاستجابات العاطفية.
وأوضح الباحث الرئيسي للدراسة روبرت كوون (Robert Quon) أن المقطوعات ذات العبارات الطويلة والمتحولة تبني حالة من التوقع الذهني المتبوع بإجابة نغمية غير متوقعة. يولد هذا التناغم استجابة عاطفية إيجابية تمنع حدوث التفرغات الكهربائية المفاجئة، وهي خاصية لم تظهر عند تعريض المرضى لمحفزات سمعية أخرى أو لمقطوعاتهم المفضلة من أنواع موسيقية مختلفة.
بين الانطباع العام والتطوير العقلي المستدام
انتشرت فكرة تأثير موزارت شعبياً لدرجة تطبيقها على الأطفال والحيوانات، لكن العلم يوضح أن الفوائد المؤقتة ترتبط بالاستمتاع، بينما يحتاج التطور العقلي الدائم إلى ممارسة عزف الموسيقى.
تحول الاكتشاف العلمي إلى اهتمام واسع؛ إذ قام آلاف الآباء بتشغيل ألحان موزارت للأطفال لتطوير قدراتهم الذهنية، وقرر حاكم ولاية جورجيا الأمريكية زيل ميلر (Zell Miller) عام 1998 تخصيص ميزانية لتوزيع أقراص موسيقية كلاسيكية على المواليد الجدد. بل إن عالم النفس الإيطالي سيرجيو ديلا سالا (Sergio Della Sala) وثق تجربة أُجريت في مزرعة إيطالية بتشغيل الموسيقى للأبقار لتحسين إنتاج الحليب.
كشفت التحليلات المجمعة للأبحاث أن التحسن الناتج عن مجرد الاستماع يكون مؤقتاً ويرتبط بتحسين المزاج، حيث ظهر تأثير مماثل عند الاستماع لمقطوعات الموسيقار شوبرت أو قراءة نصوص أدبية ممتعة. ولإحداث تغيير دائم في قدرات الذكاء، تؤكد عالمة الإدراك جيسيكا غراهام (Jessica Grahn) من جامعة ويسترن أن المواظبة على تعلم العزف على البيانو لمدة عام كامل ترتبط بزيادة مستمرة في معدل الذكاء تصل إلى 3 نقاط.