
قد يكون التعامل مع الأطفال الذين يرفضون تناول أطعمة معينة تحديًا كبيرًا للوالدين، خاصة بعد يوم طويل. فبينما قد يستمتع طفل بتجربة كل ما هو جديد على المائدة، قد يصر آخر على تناول عدد محدود جدًا من الأطباق المألوفة فقط. هذا السيناريو شائع جدًا، وبصفتي عالمة أعصاب تغذوية وأم، قضيت وقتًا طويلًا في فهم الأسباب الكامنة وراء تفضيلات الأطفال الغذائية، وكيف يمكن للوالدين مساعدتهم على تطوير نظام غذائي متنوع وصحي.
هل الجينات تحدد تفضيلات الطعام؟
يتساءل الكثير من الآباء عما إذا كانت الجينات مسؤولة عن انتقائية أطفالهم في الأكل. بينما تلعب الجينات دورًا، إلا أنها غالبًا ما تفسر جزءًا صغيرًا فقط من القصة. يولد البشر بتفضيلات فطرية للمذاق الحلو وكراهية للمذاق المر، وهي سمات يُعتقد أنها وقائية، حيث توجهنا نحو مصادر السعرات الحرارية (الحلوة) وبعيدًا عن السموم المحتملة (المرة).
على سبيل المثال، أظهرت دراسة أن الأمهات الحوامل اللواتي تناولن كبسولات الجزر الحلوة أنجبن أطفالًا ابتسموا في الموجات فوق الصوتية، بينما اللواتي تناولن كبسولات الكرنب المر أنجبن أطفالًا عبسوا، مما يشير إلى كره مبكر للخضروات المرة. بالإضافة إلى ذلك، هناك جينات تؤثر على حساسية الشخص للمركبات المرة مثل الثيويوريا، الموجودة في الخضروات الصليبية، مما يجعل حوالي 70% من الناس أكثر حساسية للمذاقات المرة وقد لا يحبون أطعمة مثل البروكلي أو القهوة السوداء.
ومع ذلك، يطور الكثير من الأشخاص حبًا للأطعمة المرة بمرور الوقت، حتى لو كانت تجربتهم الأولى غير سارة. كما أن هناك جينًا آخر يجعل الكزبرة ذات مذاق صابوني لبعض الأشخاص (حوالي 20%)، بسبب حساسيتهم لمركبات الألدهيد.
تأثير التجارب على تقبل الطعام
بينما تساهم الجينات في بعض التفضيلات، فإن تفاعلات الطفل مع الطعام في بيئته تلعب دورًا حاسمًا في تحديد ما يرغب في تناوله. وقد أظهرت دراسات عالم النفس إيفان بافلوف حول التكييف الكلاسيكي كيف يمكن ربط الإشارات البيئية بالطعام، وهو مبدأ ينطبق أيضًا على البشر.
في أوائل الثمانينيات، أظهرت عالمة النفس ليان بيرش أن الناس يطورون تفضيلات الطعام من خلال عملية مشابهة لتكييف بافلوف. عندما يرتبط مذاق الطعام بتجارب إيجابية، مثل الحصول على السعرات الحرارية، أو إطلاق مواد كيميائية مكافئة في الدماغ، أو حتى نبرة صوت الأم المبهجة، فإن هذه التجارب تعزز مدى إعجاب الشخص بهذا الطعام.
على النقيض، يمكن للتجارب السلبية، مثل آلام المعدة أو العقاب المرتبط بتناول طعام معين (مثل "يجب أن تأكل كل خضرواتك وإلا لن تشاهد التلفاز!")، أن تقلل من تقبل الطفل لهذا الطعام. يبدأ الأطفال الرضع في التعلم عن الطعام حتى قبل ولادتهم؛ فقد وجدت دراسة أن الأمهات اللواتي شربن عصير الجزر أثناء الحمل أو الرضاعة الطبيعية، كان أطفالهن أكثر تقبلاً لحبوب الإفطار بنكهة الجزر لاحقًا.
كيف تساعد طفلك على تقبل الأطعمة الجديدة؟
الخبر السار هو أن انتقائية الأكل لدى معظم الأطفال هي مرحلة مؤقتة تميل إلى التراجع مع وصولهم إلى سن المدرسة. إذا كان الأطفال ينمون بمعدل صحي، فلا داعي للقلق المفرط. بالنسبة للوالدين الذين يرغبون في توسيع نطاق أذواق أطفالهم، فإن الاستراتيجية الأكثر فعالية هي توفير فرص متكررة لتذوق الأطعمة الجديدة دون أي ضغط أو إكراه.
- يحتاج بعض الأطفال إلى 12 تجربة تذوق أو أكثر مع طعام جديد قبل أن يقبلوه.
- قد يكون الأطفال أكثر انفتاحًا على تجربة الأطعمة في المدرسة أو الحضانة، حتى لو لم يجربوها في المنزل.
- قدم الطعام الجديد بكميات صغيرة جدًا بجانب أطعمة يحبها الطفل بالفعل.
- اجعل وقت الوجبة ممتعًا وخاليًا من التوتر، وركز على الأجواء الإيجابية.
حلول عملية لمواقف يومية
تطبيق هذه الاستراتيجيات يتطلب صبرًا ونهجًا مدروسًا. إليك بعض السيناريوهات الشائعة وكيفية التعامل معها بفعالية:
السيناريو الأول: رفض قاطع لطعام جديد.
الحل: قدم الطعام الجديد بكمية صغيرة جدًا (حجم حبة البازلاء) بجانب طبق يحبه الطفل. لا تضغط عليه لتناوله. قل شيئًا مثل: "هذا طبق جديد ولذيذ، يمكنك تذوقه إذا أردت، أو يمكنك تركه." كرر التقديم في أيام مختلفة دون تعليق.
السيناريو الثاني: الطفل يطلب نفس الطعام يوميًا.
الحل: قدم الطعام المفضل للطفل، ولكن أضف إليه مكونًا جديدًا صغيرًا أو قدمه بطريقة مختلفة. على سبيل المثال، إذا كان يحب المعكرونة بالجبنة، قدمها مع قليل من البازلاء المهروسة أو قطع صغيرة جدًا من الدجاج. اشرح أن هذا هو "نسخة اليوم الخاصة" من طبقه المفضل.
السيناريو الثالث: وقت الوجبة يتحول إلى صراع.
الحل: اجعل وقت الوجبة قصيرًا ومحددًا (حوالي 20-30 دقيقة). إذا لم يأكل الطفل، أزل الطبق دون تعليق أو غضب. تجنب تقديم بدائل فورية أو وجبات خفيفة بعد وقت قصير من الوجبة. هذا يعلم الطفل أن عليه تناول الطعام المتاح خلال وقت الوجبة.
المصدر الأساسي للمعلومات: Sciencealert
ملخص سريع
- انتقائية الأكل مرحلة طبيعية تزول غالبًا مع تقدم العمر.
- تؤثر الجينات والتجارب المبكرة على تفضيلات الأطفال الغذائية.
- تقديم الطعام الجديد دون ضغط هو الاستراتيجية الأكثر فعالية.
- قد يحتاج الطفل لأكثر من 12 تجربة لتقبل طعام جديد.
- تجنب ربط الطعام بالمكافأة أو العقاب للحفاظ على علاقة صحية به.
أسئلة واستفسارات
مفاهيم شائعة وتصحيحات
- الخطأإجبار الطفل على إنهاء طبقه أو تناول طعام لا يحبه.التصحيحالضغط والإكراه يخلقان ارتباطًا سلبيًا بالطعام، مما يزيد من انتقائية الطفل. الأفضل هو تقديم الطعام دون إجبار وترك الخيار له.
- الخطأاستخدام الطعام كمكافأة أو عقاب.التصحيحربط الطعام بالمكافآت أو العقوبات يغير من علاقة الطفل الصحية بالطعام ويجعله أداة للمساومة بدلاً من مصدر للتغذية.
- الخطأالاستسلام لطلبات الطفل المتكررة لنفس الأطعمة وتقديم بدائل فورية.التصحيحيجب تقديم مجموعة متنوعة من الأطعمة بانتظام. إذا رفض الطفل تناول ما هو متاح، لا تقدم بدائل فورية ليعتاد على تناول ما يُقدم له في وقت الوجبة.