كيف تغير وسائل التواصل الاجتماعي وعينا وذاكرتنا؟

صورة توضيحية للمقال

تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي بشكل عميق في الطريقة التي ندرك بها العالم ونخزن الذكريات. فبدلاً من معالجة الواقع لحظة بلحظة، يعتمد وعينا على ذكريات لتصورات سابقة، حيث يقوم العقل اللاواعي بتصفية البيانات واتخاذ قرارات سريعة قبل أن ترتقي هذه التصورات إلى مستوى الوعي.

فهم آليات الوعي والذاكرة البشرية

يُعد الوعي تجربة شخصية للعالم المحيط ووجودنا الخاص، ورغم عدم وجود تعريف موحد له، فقد تطور الوعي كجزء أساسي من نظام الذاكرة.

يساعد هذا النظام الدماغ اللاواعي في ربط الأحداث المتسلسلة وتخيل المستقبل بمرونة والتخطيط له بفعالية.

يشير الباحث الدكتور أندرو هودسون إلى أننا لا ندرك العالم أو نتخذ القرارات بشكل مباشر وواعٍ، بل تتم هذه العمليات دون وعي.

بعد حوالي نصف ثانية، نسترجع هذه القرارات أو نبتكر الأسباب التي دفعتنا لاتخاذها، مما يؤكد دور العقل اللاواعي في قيادة هذه العمليات.

نظريات علم الأعصاب حول الوعي

توجد نظريتان أساسيتان في علم الأعصاب تحاولان تفسير مفهوم الوعي.

الأولى هي نظرية مساحة العمل العصبية العالمية (GNWT)، التي تفترض أن الدماغ يدمج المعلومات من مصادر متعددة في "رسم بياني" واحد ضمن "مساحة عمل" مركزية.

هذه المساحة، التي تدرك فقط العناصر الموجودة في انتباهنا، هي التي تشكل تجربتنا الواعية.

أما النظرية السائدة الأخرى، نظرية المعلومات المتكاملة (IIT)، فتتبنى منظوراً أكثر ترابطاً.

تفترض هذه النظرية أن الوعي ينشأ من الخلايا العصبية والروابط المعقدة داخل الدماغ، خاصة في المناطق الخلفية، وأن خصائصها الفيزيائية ومعالجة البيانات يمكن أن تولد الوعي بذاتها.

بالإضافة إلى ذلك، تتعمق نظريات أخرى في تعقيد الشبكات العصبية، مشيرة إلى أن حلقات المعلومات الممتدة عبر الزمان والمكان بين مناطق الدماغ المختلفة هي التي تولد الوعي.

يقترح بعض الباحثين أن إدراك "الذات" يلعب دوراً حاسماً في الوعي بالعالم الخارجي.

الوعي كعملية تذكر

استناداً إلى الأفكار والبيانات التجريبية السابقة، توصل الباحثون إلى نظرية جديدة مفادها أن الوعي تطور كجزء من الذاكرة، وهو في الواقع عملية تذكر.

هذا يعني أن حتى أفكارنا ليست تحت سيطرتنا الواعية بالكامل، مما يفسر صعوبة إيقاف تدفق الأفكار عند محاولة النوم.

من خلال إعادة تعريف الوعي كجزء من الذاكرة، يأمل الباحثون أن تساعد هذه النظرية في فهم وعلاج المرضى الذين يعانون من اضطرابات عصبية.

فغالباً ما يعاني المصابون بالسكتة الدماغية أو الخرف أو الصداع النصفي أو الصرع من ضعف في الوعي والذاكرة، مما يؤكد الارتباط الوثيق بينهما.

تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الذاكرة البشرية

تُعد ذاكرتنا عنصراً جوهرياً لوجودنا الإنساني، فهي العمود الفقري لشخصياتنا وإطار عمل لتعاملنا مع التجارب الجديدة واتخاذ القرارات المستقبلية.

لكن ذاكرة العصر الحديث تواجه تحديات كبيرة مع تدفق وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، التي تؤثر في قدرتنا على التذكر.

كيف تشوه وسائل الإعلام محتوى الذكريات؟

لا تؤثر المواد الإعلامية على ما نتذكره فحسب، بل على كيفية تذكره أيضاً.

على سبيل المثال، يمكن لتقرير إخباري أو تغريدة أو منشور على فيسبوك يحتوي على معلومات خاطئة أن يؤثر في استرجاع القارئ للحدث.

تدعم الدراسات هذه الفكرة، حيث يميل تقديم معلومات مضللة إلى تذكر غير دقيق للأحداث.

كما يمكن أن يؤثر استخدام اللغة القوية أو المثيرة في التفاصيل التي يتم تذكرها عن حدث ما، مثل وجود شخص أو شيء معين.

عندما تنتشر العناوين الرئيسة ذات اللغة القوية على نطاق واسع، يزداد خطر تشويه الذاكرة وتضخيم المعلومات، مما يؤدي إلى فهم غير دقيق للواقع.

ظاهرة تأثير الحقيقة الوهمية

تشكل وسائل التواصل الاجتماعي تهديداً كبيراً للذاكرة، خاصة في تكوينها.

يتجلى هذا التأثير في ظاهرة "الحقيقة الوهمية"، حيث يميل الناس إلى تصنيف العبارات المألوفة على أنها أكثر صحة من العبارات الجديدة.

تُلاحظ هذه الظاهرة بشكل خاص في سياق الأخبار المزيفة، فكلما تم تقديم المعلومة بشكل متكرر على منصات التواصل الاجتماعي، زادت احتمالية تصديقها تدريجياً، بغض النظر عن صحتها.

الاعتماد على المصادر الخارجية وتأثير جوجل

لا تؤثر وسائل الإعلام في وضوح تذكرنا للأحداث فحسب، بل تقلل من سعة ذاكرتنا عن طريق إزالة عبء تخزين المعلومات في أدمغتنا.

تعمل المواقع الإلكترونية، مثل ويكيبيديا، كقرص صلب خارجي للدماغ، مما يجعل عملية تخزين العديد من الذكريات غير ضرورية.

أصبحنا بحاجة فقط إلى تذكر مكان وكيفية العثور على المعلومات، بدلاً من تذكر محتوى المعلومات نفسه.

يطلق الباحثون على هذا الاعتماد على المصادر الخارجية لتخزين الذكريات اسم "تأثير جوجل".

تشير الدراسات إلى أن الأشخاص الذين يتوقعون الوصول إلى المعلومات لاحقاً ينسونها بسهولة أكبر من أولئك الذين لم يفعلوا ذلك.

كما يظهر الأشخاص ذاكرة أفضل لموقع تحديد المعلومات بدلاً من محتوى المعلومات الفعلي.

كيف تختلف ذاكرة الأجيال الحديثة؟

يسلط هذا الاعتماد على المصادر الخارجية الضوء على دور وسائل التواصل الاجتماعي في كيفية تذكرنا للأشياء.

فقد أظهرت دراسة حديثة أن الانخراط في وسائل التواصل الاجتماعي أثناء حدث ما يقلل من ذاكرة التجارب.

لوحظ هذا التأثير عندما طُلب من الأشخاص التقاط صور أو ملاحظات، لكنه لم يُلاحظ عندما طُلب منهم التفكير في التجربة.

نتيجة لذلك، من المحتمل ألا يتذكر جيلنا والأجيال اللاحقة الأحداث التاريخية بوضوح أو دقة مثل الأجيال السابقة، بسبب توثيقنا المتكرر للأحداث الكبرى واعتمادنا على منصات مثل فيسبوك وإنستغرام لتذكرها.

هذا يضع مسؤولية كبيرة علينا لضمان أن تكون هذه السجلات دقيقة وغير مشوهة.

أهمية الذاكرة في تشكيل هويتنا

محتوى ذاكرتنا أساسي لوجودنا الإنساني.

فبدون ذكرياتنا، نعمل دون قيود أو اعتبارات لتاريخنا الشخصي والثقافي، ونُترك بلا هوية.

ذاكرتنا هي العمود الفقري لشخصياتنا والإطار العام لكيفية تعاملنا مع التجارب الجديدة واتخاذ القرارات بشأن المستقبل.

للأسف، نحن نتأثر بكيفية تقديم الأخبار ومن أين يتم الحصول عليها.

هذه القابلية للتلاعب بالأخبار من خلال اللغة والتكرار، مع الاعتماد المتزايد على الآخرين لمعرفة التاريخ وتوثيقه، يزيد من مخاطر قبول الروايات الكاذبة والتدوينات غير الدقيقة للتاريخ.

لذا، فإن فهم تأثير وسائل الإعلام على الذاكرة أمر حيوي، لأن ذكرياتنا هي التي تجذرنا شخصياً وثقافياً، وبالتالي تحدد تاريخنا في نهاية المطاف.

أسئلة واستفسارات

الوسوم