
غالباً ما يجد الأطفال المصابون بالاكتئاب أنفسهم في مواجهة مع المتنمرين، وهي ملاحظة أكدها علماء النفس والآباء على حد سواء. إن هذه العلاقة معقدة، حيث يرى بعض الخبراء أن الاكتئاب قد يجعل الطفل فريسة سهلة، بينما تشير دراسات أخرى إلى أن التنمر نفسه قد يزيد من احتمالية الإصابة بالاكتئاب والقلق والأفكار الانتحارية لاحقاً، مما يخلق دورة يصعب كسرها.
لماذا يستهدف المتنمرون الأطفال المصابين بالاكتئاب؟
يستهدف المتنمرون الأطفال الذين يُرجح ألا يقاوموا، وللأسف، يبدو الطفل المصاب بالاكتئاب فريسة ضعيفة وسهلة.
تشير الدكتورة كارين ب.
كوشيل، أستاذة بحث مساعد في جامعة ولاية أريزونا، إلى أن الأطفال الذين يبكون بسهولة ويظهرون عواطف سلبية ومؤشرات أخرى للاكتئاب، يعانون اجتماعياً في النهاية لأنهم يُنبذون ويجذبون انتباه المتنمرين.
تؤكد أبحاث علم نفس الطفل أن الاكتئاب يؤثر سلباً على المهارات الاجتماعية والقبول العام.
فالأطفال المكتئبون يتميزون أحياناً بالسلبية والكشف عن الذات بطريقة غير مناسبة.
يدخلون في دورة حيث يؤدي نقص المهارات الاجتماعية والمشاكل الناتجة إلى رفضهم اجتماعياً، الأمر الذي يعمق شعورهم بالاكتئاب.
العلاقة المتشابكة بين الاكتئاب والتنمر
لطالما اختلف الخبراء حول أيهما يأتي أولاً: الاكتئاب أم الصعوبات الاجتماعية.
يعتقد البعض أن الأطفال المهملين أو الذين يتعرضون للتنمر يصابون بالاكتئاب كنتيجة لذلك.
بينما يقترح آخرون أن المشكلتين مترافقتان ويصعب تمييز الواحدة عن الأخرى.
في دراسة حديثة نُشرت في مجلة "تشايلد ديفلوبمنت"، تتبعت الدكتورة كوشيل وزملاؤها 486 طفلاً من الصفوف الرابع والخامس والسادس.
وجد الباحثون أن الأطفال في الصف الرابع الذين أظهروا مؤشرات الاكتئاب كانوا أكثر عرضة للتنمر في الصف الخامس.
كما أن الأطفال الذين تعرضوا للأذى في الصف الخامس كانوا الأقل قبولاً اجتماعياً بين زملائهم في الصف السادس، مما يشير إلى أن الاكتئاب يميل للظهور قبل صعوبة التأقلم اجتماعياً.
بالرغم من ذلك، لا تستبعد النتائج احتمال أن مشاكل الأقران يمكن أن تزيد من اكتئاب الطفل، فهي عملية دورية.
وتدعم دراسة كندية هذا الرأي، حيث أظهرت أن المراهقين الذين عانوا من التنمر في الطفولة كانوا أكثر عرضة بمرتين للإصابة بالاكتئاب، وثلاث مرات للقلق أو الأفكار الانتحارية، مقارنة بمن لم يتعرضوا للتنمر.
أعراض اكتئاب الأطفال التي تزيد من ضعفهم
الاكتئاب أبعد من كونه تقلب مزاجي عابر؛ بل هو مرض نفسي خطير يمكن أن يصيب الأطفال.
إذا استمرت مشاعر الحزن أو تقلب المزاج لأسابيع أو أشهر، فقد تكون علامة على الاكتئاب.
تذكر الاستشارية النفسية لانا لادقاني أن أعراض الاكتئاب لدى الأطفال تشمل:
- تغيير الحالة المزاجية مثل الانطواء والحزن.
- سرعة الغضب.
- فقدان الاهتمام بالأنشطة الممتعة سابقاً.
- الشعور بالتعب والإرهاق المستمر.
- صعوبة التركيز.
- مشاكل في النوم.
- فقدان الثقة بالنفس.
- محاولة إيذاء النفس.
هذه الأعراض تجعل الطفل يبدو أكثر ضعفاً وانعزالاً، مما يجعله هدفاً أسهل للمتنمرين الذين يبحثون عن ضحايا غير قادرين على الدفاع عن أنفسهم.
أسباب الاكتئاب عند الأطفال
تتعدد أسباب الاكتئاب لدى الأطفال، ومن أبرزها المشاكل الأسرية بين الأبوين والضغوط في المدرسة.
كما يمكن أن يكون هناك استعداد جيني أو وراثي من العائلة، أو أن يكون الاكتئاب من الآثار الجانبية لبعض الأدوية.
هذه العوامل مجتمعة أو منفردة تزيد من احتمالية إصابة الطفل بالاكتئاب.
انتشار الاكتئاب بين الأطفال
تشير الإحصائيات إلى أن الاكتئاب منتشر بين الأطفال والمراهقين بشكل قد لا يلاحظه الكثيرون.
ففي الولايات المتحدة، يعاني واحد من كل 40 طفلاً تحت سن العاشرة من الاكتئاب، وترتفع النسبة لتصل إلى 3 من أصل كل 100 طفل صغير، و9 من أصل 100 مراهق يعانون من الاكتئاب الحاد.
بعد سن 16، تصبح الفتيات أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب.
ومع أن هذه الأرقام كبيرة، فإن العديد من الأطفال لا يحصلون على العلاج اللازم بسبب صعوبة التمييز بين الاكتئاب والحالات المزاجية الطبيعية.
حلول عملية لمواقف يومية
كيفية التحدث مع الطفل حول مشاعره
ابدأ بمحادثات هادئة ومنتظمة في بيئة آمنة ومريحة، كالمشي أو وقت النوم.
استمع بانتباه دون مقاطعة أو إصدار أحكام، وشجع طفلك على التعبير عن مشاعره بكلمات بسيطة.
يمكنك أن تقول: "ألاحظ أنك تبدو حزيناً مؤخراً، هل هناك شيء يزعجك؟
أنا هنا لأستمع إليك."
التعامل مع التنمر عند اكتشافه
صدق طفلك عندما يخبرك عن التنمر، وأكد له أنك ستدعمه.
تواصل مع المدرسة أو الجهات المعنية لوضع خطة حماية، وعلمه استراتيجيات للتعامل مع المتنمرين مثل الابتعاد أو طلب المساعدة.
ركز على تعزيز ثقته بنفسه ومهاراته الاجتماعية.
حماية الطفل من المشاكل الأسرية
احرص على حل الخلافات الأسرية بعيداً عن مرأى ومسمع الأطفال قدر الإمكان.
اشرح لهم التغييرات الكبيرة في حياتهم بطريقة مبسطة ومطمئنة، وأكد لهم أنهم ليسوا السبب في أي مشكلة.
وفر لهم بيئة منزلية مستقرة ومليئة بالحب والدعم العاطفي.
علاج ووقاية الأطفال من الاكتئاب
يجب على الأهل التحدث مع أطفالهم لمعرفة كيف يشعرون وبماذا يفكرون.
في حال الشك بإصابة الطفل بالاكتئاب، يجب التوجه إلى الطبيب النفسي بسرعة، لأن العلاج المبكر يؤدي إلى تحسن أفضل وله فائدة طويلة الأجل.
يعتبر العلاج المعرفي السلوكي (CBT) العلاج الأمثل للاكتئاب عند الأطفال والمراهقين، وقد تُستخدم علاجات نفسية أخرى مثل العلاج باللعب والعلاج النفسي الديناميكي والعلاج السلوكي.
للوقاية من الاكتئاب، من الضروري احتواء الطفل والتحدث معه بانتظام، وإبعاده عن المشاكل الأسرية.
إذا استمرت أعراض الاكتئاب لأكثر من أسبوعين، فإن استشارة الطبيب النفسي ضرورية لتقييم الحالة وتحديد العلاج المناسب، والذي قد يشمل جلسات نفسية أو أدوية مضادة للاكتئاب.
أسئلة واستفسارات
مفاهيم شائعة وتصحيحات
- الخطأتجاهل علامات الاكتئاب عند الطفل واعتبارها مجرد مزاج سيء.التصحيحيجب التعامل مع علامات الاكتئاب بجدية والبحث عن تقييم طبي أو نفسي مبكر لتجنب تفاقم الحالة.
- الخطأإلقاء اللوم على الطفل المكتئب لتعرضه للتنمر.التصحيحيجب دعم الطفل وتأكيد أن التنمر هو سلوك خاطئ من المتنمر، مع التركيز على مساعدته في تطوير آليات التأقلم.
- الخطأالاعتقاد بأن مشاكل التنمر ستختفي من تلقاء نفسها.التصحيحيتطلب التنمر تدخلاً من البالغين (الوالدين، المعلمين) لحماية الطفل ووضع حد للسلوك المسيء.