
تُظهر الأبحاث العلمية الحديثة أن مشاركة الأجداد المعتدلة في رعاية أحفادهم تمنحهم حماية إدراكية ملموسة، وتُبطئ وتيرة التراجع المعرفي المرتبط بالتقدم في العمر. ترتبط هذه العلاقة التفاعلية بتحسين اختبارات الذاكرة والطلاقة اللفظية، وتقليل الشعور بالعزلة النفسية لدى كبار السن، خصوصاً عندما تكون الرعاية طوعية ومبنية على التوازن والرغبة الذاتية.
كيف تؤثر التفاعلات اليومية مع الأحفاد على دماغ الأجداد؟
تنشط العقلية الإدراكية لدى كبار السن بمجرد ممارسة أنشطة بسيطة ومتنوعة مع الصغار. أظهرت بيانات دراسة طولية شملت زهاء ثلاثة آلاف جد وجدة فوق سن الخمسين في إنجلترا، أشرفت عليها الباحثة فلافيا كيريشس من جامعة تيلبورغ في هولندا، أن الانخراط في رعاية الأحفاد يرتبط بأداء أفضل في اختبارات الذاكرة والطلاقة اللفظية. يظهر التباطؤ في التراجع المعرفي بشكل أوضح لدى الجدات، بصرف النظر عن عدد الساعات أو طبيعة النشاط الممارس.
وما يساعد كبار السن هنا هو حجم التنشيط الذهني الذي يفرضه التفاعل الاجتماعي اليومي. تبين الأبحاث أن الأجداد الذين يمتلكون قدرات عقلية مرتفعة في الأساس يميلون للمشاركة في ألعاب تفاعلية والمساعدة في الواجبات المدرسية. وفي دراسة أخرى نشرتها دورية «جاما نتورك أوبن» شملت أكثر من 10 آلاف مسن في الصين، تبين أن تقديم الرعاية للأحفاد بمعدل يترواح بين ساعة واحدة و39 ساعة أسبوعياً يقلل احتمالات الخرف والشعور بالوحدة.
التعاطف العاطفي: ماذا يحدث داخل دماغ الجدة عند رؤية أحفادها؟
تستجيب شبكات الدماغ لدى الجدات بطريقة مشاعرية فريدة ومباشرة عند التفاعل مع الأحفاد مقارنة بالأبناء البالغين. كشفت دراسة أجراها باحثون في جامعة إيموري بولاية جورجيا عبر فحص أدمغة 50 جدة باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، عن نشاط مكثف في المناطق المسؤولة عن التعاطف العاطفي والحركة عند رؤية صور أحفادهن بين سن 3 و12 عاماً.
تُعرف هذه الحالة العلمية باسم المحاكاة العصبية، حيث تشعر الجدة بحالة الحفيد الشعورية فوراً؛ فتفرح لفرحه وتتحمس لحماسه. وبدلاً من التعاطف المعرفي الذي يمارسه الإنسان لفهم أفكار البالغين، يولد الحفيد استجابة عاطفية حركية سريعة تُبقي أدمغة الجدات في حالة يقظة وتفاعل دائم.
الدعم النفسي والقبول غير المشروط بين الجيلين
توفر العلاقة بين الأجداد والأحفاد مساحة عاطفية آمنة تخفف من حدة الاكتئاب وتراكمات العزلة لدى الطرفين. يوضح الطبيب النفسي آرثر كورنهابر في كتابه «الأجداد في العصر الحديث» أن الصغار يجدون لدى الأجداد قبولاً طليقاً لا يرتبط دائماً بتقييم السلوك أو الإنجازات التعليمية كما يحدث مع الوالدين. هذا التقبل يمنح الطفل مرونة نفسية، بينما يمنح الجد طاقة متجددة وشعوراً بالمعنى.
ويرى أستاذ الطب النفسي الدكتور جمال فرويز أن أجداد اليوم يمتلكون خبرات معارف تقنية وثقافية تتجاوز رواية القصص التقليدية. غياب التواصل بسبب السفر أو ظروف الحياة يزيد اكتئاب كبار السن، بينما يجدد التزاور الشعور بالانتماء. يؤكد الخبراء أيضاً أن تجنب السلوكيات السلبية، مثل انشغال الأحفاد بالهواتف الذكية أثناء الزيارة، يضمن احترام شيخوخة الأجداد وصيانة صلة الرحم. وقد جاء في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يرحمْ صغيرَنا، ويُوَقِّرْ كبيرَنا»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ من إجلالِ اللَّهِ إِكرامَ ذي الشَّيبةِ المسلمِ» (رواه أبو داود).
حلول عملية لمواقف يومية
تعاني بعض الأسر من تنظيم العلاقة بين الأجداد والأحفاد، ويمكن التعامل مع الاختلافات عبر النماذج التالية:
- الموقف الأول: انشغال الأحفاد بالهواتف أثناء الزيارة.
الحل: الاتفاق المسبق مع الأبناء على سلة إيداع الهواتف عند مدخل بيت الجدين، وتكليف الأحفاد بمهمة المشاركة في إعداد الضيافة أو إحضار صور قديمة مناقشتها مع الجد. - الموقف الثاني: الشعور بالإجهاد البدني نتيجة طول فترة الرعاية.
الحل: تنظيم جدول زمني محدد لا يتجاوز بضع ساعات يومياً أو أسبوعياً، لضمان أن تكون الرعاية طوعية وممتعة دون تحميل الجدين أعباء تربوية مجهدة. - الموقف الثالث: الفجوة المعرفية بين الأجيال حول التكنولوجيا.
الحل: تحويل الفجوة إلى نشاط تفاعلي عبر جعل الحفيد يعلم الجد كيفية استخدام تطبيق معين، بينما يسرد الجد قصصاً تاريخية أو يعلم الحفيد مهارة يدوية.