
نزار توفيق قباني، الشاعر والدبلوماسي السوري البارز، ولد في دمشق واشتهر بأسلوبه الشعري الفريد الذي يمزج بين الرومانسية والوطنية. بعد مسيرة دبلوماسية متنقلة، تفرغ للشعر ليقدم للعالم دواوين خالدة، كان أولها "قالت لي السمراء".
أجمل قصائد نزار قباني في حب الأم
تغنى نزار قباني بالأم في العديد من قصائده، معبرًا عن عمق العلاقة بين الأم وابنها، والحنين إلى الوطن والطفولة المرتبطة بوجودها. تعكس هذه القصائد مشاعر الشوق والامتنان، وتبرز مكانة الأم كرمز للحياة والأمان.
قصيدة "صباح الخير يا حلوه"
تُعد هذه القصيدة من أروع ما كتب نزار قباني عن الأم، حيث يصف فيها حنينه لأمه ودمشق بعد سنوات الغربة، متسائلاً عن طفولته التي لم تكبر بداخله رغم تقدمه في العمر.
صباح الخير يا حلوه.. صباح الخير يا قديستي الحلوه
مضى عامان يا أمي على الولد الذي أبحر برحلته الخرافيه
وخبأ في حقائبه صباح بلاده الأخضر وأنجمها، وأنهرها، وكل شقيقها الأحمر
وخبأ في ملابسه طرابيناً من النعناع والزعتر وليلكةً دمشقية..
أنا وحدي.. دخان سجائري يضجر ومني مقعدي يضجر
وأحزاني عصافيرٌ.. تفتش (بعد) عن بيدر
عرفت نساء أوروبا.. عرفت عواطف الإسمنت والخشب
عرفت حضارة التعب.. وطفت الهند، طفت السند، طفت العالم الأصفر
ولم أعثر.. على امرأة تمشط شعري الأشقر وتحمل في حقيبتها.. إلى عرائس السكر
وتكسوني إذا أعرى وتنشلني إذا أعثر
أيا أمي.. أيا أمي.. أنا الولد الذي أبحر ولا زالت بخاطره تعيش عروسة السكر
فكيف.. فكيف يا أمي غدوت أباً.. ولم أكبر؟
صباح الخير من مدريد ما أخبارها الفلة؟ بها أوصيك يا أماه.. تلك الطفلة الطفله
فقد كانت أحب حبيبةٍ لأبي.. يدللها كطفلته ويدعوها إلى فنجان قهوته
ويسقيها.. ويطعمها.. ويغمرها برحمته.. ومات أبي ولا زالت تعيش بحلم عودته
وتبحث عنه في أرجاء غرفته وتسأل عن عباءته.. وتسأل عن جريدته..
وتسأل حين يأتي الصيف عن فيروز عينيه.. لتنثر فوق كفيه.. دنانيراً من الذهب..
سلاماتٌ.. سلاماتٌ.. إلى بيتٍ سقانا الحب والرحمة
إلى أزهارك البيضاء.. فرحة "ساحة النجمة"
إلى تختي.. إلى كتبي.. إلى أطفال حارتنا.. وحيطانٍ ملأناها.. بفوضى من كتابتنا..
إلى قططٍ كسولاتٍ تنام على مشارقنا وليلكةٍ معرشةٍ على شباك جارتنا
مضى عامان.. يا أمي ووجه دمشق، عصفورٌ يخربش في جوانحنا
يعض على ستائرنا.. وينقرنا.. برفقٍ من أصابعنا..
مضى عامان يا أمي وليل دمشق فل دمشق دور دمشق تسكن في خواطرنا
مآذنها.. تضيء على مراكبنا كأن مآذن الأموي.. قد زرعت بداخلنا..
كأن مشاتل التفاح.. تعبق في ضمائرنا كأن الضوء، والأحجار جاءت كلها معنا..
أتى أيلول يا أماه.. وجاء الحزن يحمل لي هداياه ويترك عند نافذتي مدامعه وشكواه
أتى أيلول.. أين دمشق؟ أين أبي وعيناه وأين حرير نظرته؟ وأين عبير قهوته؟
سقى الرحمن مثواه..
وأين رحاب منزلنا الكبير.. وأين نعماه؟ وأين مدارج الشم.. تضحك في زواياه
وأين طفولتي فيه؟ أجرجر ذيل قطته وآكل من عريشته وأقطف من بنفشاه
دمشق، دمشق.. يا شعراً على حدقات أعيننا كتبناه ويا طفلاً جميلاً.. من ضفائره صلبناه
جثونا عند ركبته.. وذبنا في محبته إلى أن في محبتنا قتلناه...
من روائع نزار قباني الأخرى في الحب والحياة
لم يقتصر إبداع نزار قباني على قصائد الأم والوطن، بل امتد ليشمل قصائد الحب العميقة التي تتناول مشاعر الشوق، الألم، والتعلق بالمرأة. تعبر هذه القصائد عن تجاربه العاطفية بأسلوب نزار المميز.
قصيدة "حزن يغتالني"
تصف هذه القصيدة مشاعر الحزن والألم التي يسببها الحبيب، وتساؤلات الشاعر حول مدى قدرة القلب على التحمل والصبر على الجور والظلم.
حزن يغتالني وهم يقتلني وظلم حبيب يعذبني
آه.. ما هذه الحياة التي كلها آلام لا تنتهي وجروح لا تنبري ودموع من العيون تجري
جرحت خدي أرقت مضجعي وسلبت نومي
آه يا قلبي يا لك من صبور على الحبيب لا تجور
رغم ظلمه الكثير وجرحه الكبير الذي لا يندمل ولا يزول
ما زلت تحبه رغم كل الشرور ما زلت تعشقه رغم الجور والفجور
ما زلت تحن إليه رغم ما فيه من غرور
قلبي.. ويحك قلبي إلى متى.. إلى متى؟؟
اخبرني بالله عليك إلى متى ؟؟
هذا الصبر وهذا الجلد والتحمل إلى متى هذا السهر والتأمل ؟
إلى متى هذه المعاناة والتذلل؟
كف عن هذا كف فاكره كما كرهت واهجر ما هجرت
وعذب كما عذبت واظلم كما ظلمت واجرح كما جرحت
فلقد عانيت كثيرا وصبرت كثيرا وكثيرا على حبيب لا يعرف للحب معنى
أما آن لك يا قلبي أن توقف كل هذا فبالله عليك يا قلبي كف
من قصائد "يا سيدتي"
تُبرز هذه السلسلة من القصائد مكانة المرأة في شعر نزار قباني، حيث يصفها بأنها جوهر الوجود، متجاوزة حدود الزمان والمكان، ومصدر إلهام لا ينضب.
يا سيِّدتي: كنتِ أهم امرأةٍ في تاريخي قبل رحيل العامْ.
أنتِ الآنَ.. أهمُّ امرأةٍ بعد ولادة هذا العامْ..
أنتِ امرأةٌ لا أحسبها بالساعاتِ وبالأيَّامْ.
أنتِ امرأةٌ.. صُنعَت من فاكهة الشِّعرِ.. ومن ذهب الأحلامْ..
أنتِ امرأةٌ.. كانت تسكن جسدي قبل ملايين الأعوامْ..
يا سيِّدتي: يالمغزولة من قطنٍ وغمامْ.
يا أمطاراً من ياقوتٍ.. يا أنهاراً من نهوندٍ.. يا غاباتِ رخام..
يا من تسبح كالأسماكِ بماءِ القلبِ.. وتسكنُ في العينينِ كسربِ حمامْ.
لن يتغيرَ شيءٌ في عاطفتي.. في إحساسي.. في وجداني.. في إيماني..
فأنا سوف أَظَلُّ على دين الإسلامْ..
يا سيِّدتي: لا تَهتّمي في إيقاع الوقتِ وأسماء السنواتْ.
أنتِ امرأةٌ تبقى امرأةً.. في كلَِ الأوقاتْ.
سوف أحِبُّكِ.. عند دخول القرن الواحد والعشرينَ.. وعند دخول القرن الخامس والعشرينَ..
وعند دخول القرن التاسع والعشرينَ.. وسوفَ أحبُّكِ.. حين تجفُّ مياهُ البَحْرِ.. وتحترقُ الغاباتْ..
يا سيِّدتي لا تَضطربي مثلَ الطائرِ في زَمَن الأعيادْ.
لَن يتغيرَ شيءٌ منّي. لن يتوقّفَ نهرُ الحبِّ عن الجريانْ.
لن يتوقف نَبضُ القلبِ عن الخفقانْ. لن يتوقف حَجَلُ الشعرِ عن الطيرانْ.
حين يكون الحبُ كبيراً.. والمحبوبة قمراً.. لن يتحول هذا الحُبُّ لحزمَة قَشٍّ تأكلها النيرانْ...
ما يُفرِحُني يا سيِّدتي أن أتكوَّمَ كالعصفور الخائفِ بين بساتينِ الأهدابْ...
ما يَبهرني يا سيِّدتي أن تهديني قلماً من أقلام الحبرِ.. أعانقُهُ..
يا سيِّدتي: ما أسعدني في منفاي أقطِّرُ ماء الشعرِ.. وأشرب من خمر الرهبانْ
ما أقواني.. حين أكونُ صديقاً للحريةِ.. والإنسانْ...
يا سيِّدتي: كم أتمنى لو سافرنا نحو بلادٍ يحكمها الغيتارْ
حيث الحبُّ بلا أسوارْ والكلمات بلا أسوارْ والأحلامُ بلا أسوارْ
يا سيِّدتي: يا سيِّدة الشِعْرِ الأُولى هاتي يَدَكِ اليُمْنَى كي أتخبَّأ فيها..
هاتي يَدَكِ اليُسْرَى.. كي أستوطنَ فيها..
قولي أيَّ عبارة حُبٍّ حتى تبتدئَ الأعيادْ
ملخص سريع
- نزار قباني شاعر سوري ودبلوماسي معروف.
- اشتهر بقصائده العاطفية والوطنية.
- قصيدة "صباح الخير يا حلوه" من أبرز أعماله عن الأم.
- تعكس قصائده مشاعر الحنين والتقدير العميق للأم.
- أعماله الشعرية تلامس جوانب مختلفة من الحب والحياة.