
يُستخدم مصطلح الاعتلال النفسي لوصف حالة صحية عقلية تُعرف باضطراب الشخصية المعادية للمجتمع (ASPD)، والتي تؤثر بشكل عميق على مزاج الفرد وتفكيره وسلوكه، وفقاً لما جاء في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية (DSM-5). يشمل هذا الاضطراب مجموعة من السلوكيات التي تتجاوز مجرد التصرفات المخيفة، مما يجعل التفهم الجيد لعلامات وأعراضه ضرورياً لتجنب الوصم السلبي وتقديم الدعم الفعال للمصابين.
الاعتلال النفسي واضطراب الشخصية المعادية للمجتمع: نظرة عامة
يُعد اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع (Antisocial Personality Disorder - ASPD) حالة صحية عقلية معقدة تتميز بنمط مستمر من عدم الاكتراث بحقوق الآخرين وانتهاكها، وغالباً ما يتضمن هذا النمط سلوكيات خادعة وتلاعبية. بينما يُستخدم مصطلح الاعتلال النفسي (Psychopathy) أحياناً بالتبادل مع ASPD، فإنه يُنظر إليه عادةً على أنه شكل أكثر شدة من اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، يتميز بخصائص إضافية مثل الافتقار التام للتعاطف والندم، والجاذبية السطحية، والتلاعب.
تؤثر هذه الاضطرابات على قدرة الفرد على تكوين علاقات صحية، وتدفعه نحو سلوكيات قد تكون ضارة بالذات وبالآخرين. يتطلب فهم هذه الحالات معرفة عميقة بالسمات السلوكية والنفسية التي تميزها، وكيفية تأثيرها على حياة المصابين ومن حولهم.
المرضى النفسيون يفتقدون لشعور الخوف
يستطيع غالبية الناس التعرف بسهولة على الخوف في تعابير الوجه، حيث تتسع حدقة العين ويرتفع الحاجبان ويفتح الفم في حالة لهث أو صراخ، في رسالة واضحة للتعرض للخوف. في المقابل، ليس من السهل أن يصل شعور الخوف من خلال ملامح المريض النفسي، وذلك لأنهم ببساطة يفتقرون إلى القدرة على فهم الخوف وإيصاله بشكل واضح.
أكدت أبيجيل مارش، الباحثة في جامعة جورج تاون، هذه الحقيقة من خلال دراسة شملت 36 طفلاً تتراوح أعمارهم بين 7 و10 سنوات، خضعوا فيها لفحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي أثناء عرض صور لتعبيرات الوجه المختلفة، بما في ذلك الوجوه المحايدة والغاضبة والمرعوبة. بينما استطاع معظم الأطفال التمييز بين التعبيرات المحايدة والخوف، وجد أولئك الذين لديهم مستويات أعلى من السمات السيكوباتية صعوبة في تفسير التعبيرات المخيفة.
تنبع هذه الصعوبة في تمييز الخوف دون غيره من المشاعر من خلل في اللوزة الدماغية، وهي الجزء المسؤول في الدماغ عن الاستجابة لمشاعر الخوف والعواطف المختلفة. لدى المرضى النفسيين تكون الطبقة الخارجية من اللوزة الدماغية أرق وأصغر مقارنة بالأفراد الذين ليس لديهم ميول سيكوباتية، ويؤدي هذا الاختلاف الهيكلي إلى انخفاض نشاط اللوزة الدماغية، مما يعيق قدرتهم على فهم التعبيرات المخيفة.
من المثير للاهتمام أن هذا الضعف في التعرف على الخوف لا يمتد إلى المشاعر الأخرى، حيث يفهم المرضى النفسيون عموماً معظم المشاعر ويستطيعون التعبير عنها، باستثناء الخوف وأحياناً الحزن.
المريض النفسي يشتهي الدوبامين
الدوبامين هو ناقل عصبي يقوم بنقل الرسائل بين الخلايا العصبية، ويلعب دوراً مهماً في الشعور بالسعادة والقدرة على التفكير والتخطيط. كما يساعدنا على التركيز والسعي لإنجاز الأشياء والبحث المستمر عن المتعة.
على سبيل المثال، عند تناول الطعام المفضل أو ممارسة الجنس أو القيام بأي من النشاطات التي تؤدي إلى الشعور بالنشوة والفرح، فإن منطقة معينة في الدماغ تقوم بإرسال جرعة من الدوبامين، والتي يترجمها الدماغ على أنه يستحق الحصول على المزيد من محفزاته. هذا من شأنه أن يجعل الشخص يشعر بالرغبة الدائمة في ممارسة هذه النشاطات.
غالباً ما يُظهر المرضى النفسيون، مثل القاتل المتسلسل سيئ السمعة تيد بندي، رغبة شديدة في تناول الدوبامين، حيث اعترف بندي بأنه يستمتع بالقتل، مما يشير إلى رغبته العميقة في القيام بمثل هذه الأفعال. يعزو موقع newscientist هذا الانجذاب للتلاعب بالآخرين، والانخراط في سلوكيات ضارة، إلى نظام المكافأة الذي يحركه الدوبامين في الدماغ، على غرار الأحاسيس التي نشعر بها عند الوقوع في الحب، أو تعاطي المخدرات، أو الانغماس في الشوكولاتة.
كل مريض نفسي لديه مفتاح للتعاطف
من المعروف أن المرضى النفسيين غير قادرين على وضع أنفسهم مكان الآخرين، فهم يعتبرون بقية البشر كقطع شطرنج. بينما يرى بعض العلماء أن المرضى النفسيين مبرمجون بهذه الطريقة، فإن علماء الأعصاب من جامعة جرونينجن في هولندا يختلفون معهم.
في عام 2012، أجرى هؤلاء العلماء اختباراً على المجرمين السيكوباتيين، باستخدام تقنية الرنين المغناطيسي. في المقاطع التي شاهدها المجرمون من داخل ماسح التصوير، كانت يد بلا جسد إما تداعب يداً أخرى بمودة، أو ترفضها، أو تصفعها بمسطرة، وكما توقع الباحثون لم يبدِ المرضى النفسيون أي رد فعل تجاه تلك الأفعال.
ومع ذلك، اتخذت الأمور منعطفاً مغايراً بشكل تام، عندما قام الباحثون بعرض شخص يتعرض للضرب على الشاشة، حيث استجاب له المرضى بشكل فعال، وبدا عليهم أنهم يشعرون بألمه. تشير نتائج هذه التجربة إلى أن المرضى النفسيين لديهم مفتاح "إيقاف وتشغيل" في أدمغتهم، ورغم أنه يتم ضبطه عادة على إعداد "إيقاف"، إلا أنه يمكن تغييره عند الحاجة. لهذا السبب يبدو المرضى النفسيون أحياناً ودودين ولطفاء، وأحياناً أخرى شديدي القسوة وعديمي الرحمة.
الشركات مليئة بالمرضى النفسيين
في عام 2013، قام كيفن داتون، الباحث في جامعة أكسفورد، بتجميع قائمة بالمهن التي يكثر فيها وجود المرضى النفسيين. بينما كان من المتوقع أن تحتل مهن مثل المحاماة والتعليم والطب مرتبة عالية، كان من المثير للدهشة أن المديرين والرؤساء التنفيذيين هم أكثر المصابين بهذه الأمراض، وفقاً لموقع BIG THINK.
تتوافق نتائج هذه الدراسة مع أخرى أجراها بول بابياك عام 2010، حيث أجرى مقابلات مع 203 مديرين تنفيذيين طموحين من برامج التدريب الإداري، باستخدام استبيان يعتمد على قائمة روبرت هير المعروفة للاعتلال النفسي. كشفت نتائج الدراسة أن واحداً من كل 25 من هؤلاء الذين أجريت معهم المقابلات أظهروا سمات سيكوباتية واضحة، وهو معدل أعلى بأربع مرات من عامة الموظفين في المجالات الأخرى.
المتصيدون على الإنترنت لديهم سمات الاعتلال النفسي
في دراسة استقصائية أجراها علماء النفس من جامعات كندية متعددة استهدفت مستخدمي الويب، تم سؤالهم عن عاداتهم على الإنترنت، بما في ذلك الوقت الذي يقضونه على الإنترنت، واهتمامهم بأنشطة مثل التعليق على موقع يوتيوب، بهدف التعرف على السمات المرتبطة بالتصيد. كشفت نتائج الدراسة عن وجود علاقة مثيرة للقلق بين هذا السلوك والاعتلال النفسي كما ذكر موقع PSYCHOLOGY TODAY.
فقد أظهر المتصيدون خصائص تشمل السادية والميكيافيلية والنرجسية والاعتلال النفسي، حيث يستمد الأفراد الذين يتمتعون بهذه السمات المتعة بالتسبب في الأذى، ويظهرون ميولاً خادعة، ويفتقرون إلى الندم على أفعالهم. هذا الارتباط يسلط الضوء على الجوانب المظلمة للتفاعل الرقمي وكيف يمكن أن يكون منصة لسمات شخصية مضطربة.
المرضى النفسيون يفتقدون لحاسة الشم
في دراسة نقلها لنا موقع science daily، قام الباحثون بتعريض المرضى النفسيين لروائح مختلفة، ووجدوا أن المرضى النفسيون يظهرون ضعفاً في حاسة الشم، بسبب ضعف الأداء في القشرة المدارية التي تعمل على تعديل السلوك الاجتماعي. يمكن للمريض الذي يعاني من إصابة في المنطقة الأمامية المدارية أن يفتقد للشعور عاطفياً، ويضطرب سلوكه اجتماعياً.
وقد أكدت الأبحاث التي أجرتها جامعة ماكواري في سيدني ذلك، حيث يكافح المرضى النفسيون للتعرف على الروائح في اختبارات الشم. ترتبط شدة ضعف حاسة الشم بدرجات الاعتلال النفسي، كما باتت اختبارات الشم تعد وسيلة أكثر موضوعية لتقييم الاعتلال النفسي، مما يسهم في فهم أعمق لأساس الإصابة بالمرض.
كيفية التعامل مع شخص مصاب بالاعتلال النفسي
يتطلب التعامل مع شخص مصاب بالاعتلال النفسي فهماً عميقاً لاحتياجاته، وتقديم الدعم اللازم له بطريقة مهنية وحساسة. من الضروري الحفاظ على حدود واضحة وتجنب التورط العاطفي المفرط، مع التركيز على التواصل الفعال والبحث عن المساعدة المتخصصة.
- التواصل بفاعلية: استخدم لغة واضحة ومباشرة عند التحدث مع الشخص، وكن صبوراً ومتفهماً لمشاعره وتجاربه. تجنب الغموض أو الرسائل المزدوجة التي قد يستغلها.
- التعبير عن الدعم والتفهم: أظهر للشخص أنك مهتم بحالته وتفهم تحدياته، وقدم له دعماً عاطفياً ومعنوياً. لا تقلل من مشاعره أو تتجاهل مخاوفه، ولكن حافظ على واقعية التوقعات.
- الاستماع الفعال: كن مستعداً للاستماع لما يقوله الشخص بصدق واهتمام، وتجنب التقييم أو الانتقاد غير المناسب. ركز على فهم وجهة نظره دون بالضرورة الموافقة عليها.
- الحفاظ على الهدوء والصبر: قد يتطلب التعامل مع الاعتلال النفسي الصبر والتفكير الهادئ، وتجنب الرد بعاطفة أو انزعاج. الاستجابات الهادئة والثابتة أكثر فعالية.
- التفكير بشكل إيجابي: حاول تعزيز الأفكار الإيجابية وتشجيع الشخص على التفكير بطريقة إيجابية حول نفسه وحالته. ركز على السلوكيات الإيجابية التي يمكن تعزيزها.
- التواصل معه بشكل دوري: كن على اتصال دائم مع الشخص، وتحقق من حالته بانتظام، وكن موجوداً لمساعدته في حالات الطوارئ. هذا يساعد على بناء الثقة ببطء.
- التعاون مع فريق الرعاية الصحية: تعاون مع الفريق الطبي والاجتماعي لتقديم الرعاية الشاملة للشخص، وضمان تحقيق أقصى فائدة من العلاج. لا تتردد في طلب المشورة المهنية.
ملخص سريع
- الاعتلال النفسي هو اضطراب شخصية معادية للمجتمع يتميز بنقص التعاطف والندم.
- يفتقر المصابون بالاعتلال النفسي للقدرة على فهم مشاعر الخوف بسبب خلل في اللوزة الدماغية.
- يرتبط الاعتلال النفسي بزيادة نشاط نظام المكافأة بالدوبامين، مما يدفع للسلوكيات الخطرة.
- يمكن للمرضى النفسيين إظهار التعاطف في ظروف معينة، لكنه غالباً ما يكون معطلاً.
- تظهر سمات الاعتلال النفسي بشكل ملحوظ في بعض المهن، مثل المديرين التنفيذيين، وعلى الإنترنت بين المتصيدين.
أسئلة واستفسارات
تجارب وأخطاء شائعة
- الخطأالخلط بين الاعتلال النفسي وجميع الأمراض النفسية الأخرى.التصحيحالاعتلال النفسي هو شكل محدد من اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، وليس مرادفاً لكل الاضطرابات النفسية.
- الخطأالاعتقاد بأن المرضى النفسيين لا يمكنهم إظهار أي تعاطف على الإطلاق.التصحيحتشير الأبحاث إلى أن المرضى النفسيين قد يمتلكون "مفتاح تشغيل" للتعاطف يمكن تفعيله في ظروف معينة، لكنه غالباً ما يكون معطلاً.
- الخطأوصم جميع الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية بأنهم "مرضى نفسيون" بالمعنى السلبي.التصحيحيجب التفريق بين الاعتلال النفسي كاضطراب محدد وبين الاضطرابات النفسية الأخرى، وتجنب الوصم والتمييز لجميع المصابين.