
ينجذب الناس للأخبار السيئة بشكل فطري بسبب "الانحياز نحو السلبية"، وهي آلية تطورية جعلت الدماغ البشري أكثر حساسية للمخاطر والتهديدات لضمان البقاء. هذا الميل يدفع الأفراد لملاحظة المعلومات السلبية وتذكرها لفترة أطول من الإيجابية، حتى وإن كانت تؤثر سلباً على حالتهم النفسية وتسبب الإرهاق.
تفاصيل وشرح أعمق
تعود جذور الانجذاب للأخبار السلبية إلى ما يسميه علماء النفس "الانحياز نحو السلبية"، وهو ميل فطري يجعل الإنسان أكثر حساسية للمعلومات السلبية مقارنة بالإيجابية. على مدار آلاف السنين، اعتمد بقاء الإنسان على قدرته على اكتشاف المخاطر والتهديدات بسرعة، حيث كان تجاهل خطر محتمل قد يؤدي إلى الموت بينما لم يكن للانتباه المفرط سوى تكلفة محدودة.
لم يتطور الدماغ البشري بالسرعة نفسها التي تطورت بها وسائل الاتصال الحديثة، ففي الماضي كانت التهديدات محلية ومحدودة. اليوم، أصبح الفرد معرضاً يومياً لمتابعة الحروب والأزمات والكوارث والجرائم العنيفة من مختلف القارات خلال ساعات قليلة فقط، ولم يُصمم الجهاز العصبي البشري للتعامل مع هذا الحجم الهائل من المعلومات السلبية المتدفقة على مدار الساعة.
تأثير الأخبار السلبية على الدماغ والسلوك
توصلت دراسة نشرت في مجلة Nature Human Behaviour إلى أن العناوين الإخبارية ذات الطابع السلبي تحظى بمعدلات تفاعل أعلى من غيرها بشكل ملحوظ. أظهرت النتائج أن كل كلمة سلبية إضافية في العنوان تزيد من احتمالية نقر المستخدم عليه، بينما تؤدي الكلمات الإيجابية إلى نتائج عكسية.
تستجيب أجسام البشر فسيولوجياً للأخبار السلبية بصورة أقوى من استجابتها للأخبار الإيجابية، ما يعني أن رد الفعل الجسدي يبدأ قبل أن يقرر العقل ما إذا كان الحدث المعروض يمثل تهديداً حقيقياً أم لا. هذه الاستجابة الفطرية تعكس عمق الانحياز نحو السلبية في تركيبتنا البيولوجية.
الاستهلاك الإشكالي للأخبار
أشارت دراسات نفسية إلى ظهور ما يعرف بـ"الاستهلاك الإشكالي للأخبار" (PNC)، وهو نمط من المتابعة الإخبارية يؤدي إلى الانشغال المفرط بها واضطرابات نفسية تؤثر في الحياة اليومية. وفق دراسة أجريت عام 2022 في الولايات المتحدة، أظهر 17% من البالغين الأمريكيين مستويات حادة من هذه الحالة.
كشفت النتائج أن 61% من هؤلاء الأشخاص أفادوا بشعورهم بحالة نفسية سيئة بدرجة كبيرة أو كبيرة جداً، مقارنة ب6% فقط بين الأشخاص الذين لا يعانون هذا النمط من الاستهلاك الإخباري. قد تكون الآثار النفسية للإرهاق الإخباري أكثر حدة لدى الأقليات والمهاجرين، فالتعرض المتكرر لأخبار العنف أو التمييز يترك آثاراً عميقة.
لماذا يتجنب البعض متابعة الأخبار؟
يتجنب نحو 40% من الأشخاص حول العالم متابعة الأخبار بشكل متكرر أو من حين لآخر، وهي أعلى نسبة تُسجل على الإطلاق، وفقاً لتقرير حديث. يرجع خبراء علم النفس هذه الظاهرة إلى ما يُعرف بـ"الإرهاق الإخباري" الذي لا يعكس تراجعاً في الاهتمام العام، بل يمثل استجابة نفسية لبيئة إعلامية تفوق قدرة الإنسان الطبيعية على الاستيعاب.
تتمثل الأسباب الرئيسية وراء تجنب الأخبار في شعور الأفراد بأنها تؤثر سلباً على حالتهم المزاجية وتسبب لهم الإرهاق، إضافة إلى الإحساس بالعجز عن اتخاذ أي خطوات عملية تجاه الأحداث التي يتابعونها. على سبيل المثال، أفاد 69% من الكنديين بتجنب الأخبار أحياناً على الأقل، بحسب تقرير الأخبار الرقمية لعام 2025 الصادر عن Reuters Institute.
نصائح لمواجهة الإرهاق الإخباري
لا يكمن الحل في الانقطاع الكامل عن متابعة الأخبار، نظراً لأهمية المواطنين المطلعين في المجتمعات الديمقراطية. ينصح الخبراء باتباع مجموعة من الإجراءات العملية لتطوير علاقة أكثر توازناً مع الأخبار.
- تخصيص أوقات محددة لمتابعة الأخبار بدلاً من متابعتها بشكل مستمر طوال اليوم.
- الاعتماد على مصادر موثوقة ومتعمقة بدلاً من متابعة الكم الكبير من المنشورات المتفرقة على وسائل التواصل الاجتماعي.
- التركيز على ما يمكن للفرد فعله أو التأثير فيه عملياً لتقليل الشعور بالعجز.
- الحذر من محتوى "استدراج الغضب" (Rage Bait)، وهو المحتوى المصمم لإثارة ردود فعل غاضبة بهدف زيادة التفاعل على المنصات الرقمية.
يمتلك الدماغ البشري القدرة على التكيف وتطوير استراتيجيات جديدة للحفاظ على التوازن النفسي دون الانفصال عن الواقع، رغم أنه لم يُبنَ للتعامل مع هذا الحجم غير المسبوق من المعلومات والأزمات العالمية المتزامنة.